عثمان بن جني ( ابن جني )

315

الخصائص

تخلو الأفعال من شيء من هذا الحكم - أعنى تضمّنها معنى حرف النفي - كما تضمّن الأسماء معنى حرف الاستفهام ، ومعنى حرف الشرط ، ومعنى حرف التعريف في أمس والآن ، ومعنى حرف الأمر في تراك وحذار وصه ومه ونحو ذلك . وكأنّ الحرف الزائد الذي لا يكاد ينفك منه أفعال السلب يصير كأنه عوض من حرف السلب . وأيضا فإن الماضي وإن عرى من حرف الزيادة فإن المضارع لا بدّ له من حرف المضارعة ، والأفعال كلها تجرى مجرى المثال الواحد . فإذا وجد في بعضها شيء فكأنه موجود في بقيّتها . وإنما جعلنا هذه الأفعال في كونها ضامنة لمعنى حرف النفي ملحقة بالأسماء في ذلك ، وجعلنا الأسماء أصلا فيه ، من حيث كانت الأسماء أشدّ تصرّفا في هذا ونحوه من الأفعال ؛ إذ كانت هي الأول ، والأفعال توابع وثوان لها ؛ وللأصول من الاتساع والتصرف ما ليس للفروع . فإن قيل : فكان يجب على هذا أن يبنى من الأسماء ما تضمّن هذا المعنى ، وهو ما ذكرته : من التودية والسكاك والنالة والمئلاة ، وأنت ترى كلّا من ذلك معربا . قيل : الموضع في هذا المعنى من السلب إنما هو للفعل ، وفيه كثرته ، فلمّا لم يؤثّر هذا المعنى في نفس الفعل كان ألا يؤثّر فيما هو محمول عليه ( أولى ) وأحرى بذلك . فإن قيل : وهلا أثّر هذا المعنى في الفعل أصلا ، كما يؤثّر تضمّن معنى الحرف في الاسم ؟ قيل : البناء لتضمّن معنى الحرف أمر ( يخصّ الاسم ) ؛ ككم وأين وكيف ومتى ونحو ذلك ؛ والأفعال لا تبنى لمشابهتها الحروف . أمّا الماضي فلأنّ فيه من البناء ما يكفيه ، وكذلك فعل الأمر العاري من حرف المضارعة ، نحو افعل . وأما المضارع فلأنه لمّا أهيب به ورفع عن ضعة البناء إلى شرف الإعراب لم يروا أن يتراجعوا به إليه ، وقد انصرفوا به عنه لئلا يكون ذلك نقضا . فإن قلت : فقد بنوا من الفعل المعرب ما لحقته نون التوكيد ، نحو لتفعلنّ . قيل : لمّا خصّته النون بالاستقبال ، ومنعته الحال التي المضارع أولى بها ، جاز أن يعرض له البناء . وليس كذلك السين وسوف ؛ لأنهما لم يبنيا معه بناء نون التوكيد فيبنى هو ، وإنما هما فيه كلام التعريف ( الذي لا يوجب ) بناء الاسم ؛ فاعرفه .